المختبرات الطبية قاتل خفي يفتك بالعراقيين فتكا بعيدا عن دائرة الاتهام

 احمد الحاج
لم يدر بخلد الأربعيني ، محمد محمود ، وهو في طريقه لإجراء تحليل مرضي لوالدته المصابة بمرض عضال بأن النتائج التي سيحصل عليها يمكن أن تختلف من مختبر لآخر، ما دفعه للجوء الى الطب الشعبي البديل بحثا عن الأمان المفقود ، ممتنا لـ” ديكارتيته ” التي أوصلته الى هذه الحقيقة الدامغة قبل وقوع الكارثة ! .
قريبا من المحظورات بعيدا عن الشبهات
تشهد العاصمة العراقية ، بغداد اليوم انتشارا غير مسبوق للمختبرات الطبية بغياب إحصائية اجمالية لأعدادها، تتولى بمجملها تحليل الأمراض من دون تسجيل شكاوى ضدها في المحاكم العراقية لأن تهمة التقصير إنما توجه عادة الى الأطباء من دون الانتباه الى أن التشخيصات الخاطئة تبنى على تحليلات خاطئة تفتقر الى الدقة المطلوبة مختبريا .
غياب الأمن وصعوبات التنقل وراء انتشار المختبرات
يعزو ،عبدالله العبيدي، (42عاما ) وهو أحد العاملين في مختبرات الحارثية أسباب كثرة المختبرات الى ” استثمار الأموال في مشاريع مربحة ، صعوبات التنقل ، تردي الأوضاع الأمنية ، بعد المسافات وشدة الزحام بسبب الجدران الكونكريتية العازلة وانتشار نقاط التفتيش والتظاهرات والإعتصامات شبه اليومية ،ما تمخض عن افتتاح مئات المختبرات في مختلف أحياء العاصمة لتوفير الجهد والوقت ، إضافة الى كونها مهنة تدر على أصحابها أرباحا خيالية “.
ويضيف العبيدي ، ان ” إجازة فتح المختبر الأهلي تمنح بحسب القانون العراقي لسنة 1992للحاصلين على ممارسة العمل المختبري من قبل وزارة الصحة في اختصاصين على الأقل من الاختصاصات المختبرية السريرية أو أحد فروعها والتي تشمل ، أمراض الدم ، النسيج المرضي والفحص الخلوي، الكيمياء السريرية، الأحياء المجهرية الطبية، المناعة السريرية ، الوراثة الخلوية “.
وعن إجازة ممارسة العمل المختبري أوضح ، ان ” الإجازة تمنح للحاصل على شهادة البورد الأمريكي أو عضو الكلية الملكية البريطانية للباثولوجيين أو ما يعادلهما من الشهادات المهنية وللطبيب الحاصل على شهادة الدبلوم العالي في الباثولوجي السريري أو ما يعادله وكذلك الى نظرائهم ، فيما تتراوح قائمة الأسعار المحددة من قبل وزارة الصحة بين 5 – 25الف دينار ، مشترطة وضعها في اطار زجاجي مدون عليها أسماء التحاليل باللغتين العربية والانكليزية مع سعر التحليل والتقنية المستخدمة” .
تلاعب وحجب لنتائج التحليلات المرضية
سعد مروان يقول ” نسمع يوميا عشرات المرضى وهم يشكون وجود تلاعب في نتائج التحليلات المرضية لغرض إجراء عمليات جراحية لمرضى ليسوا بحاجة لها في المستشفيات الأهلية لكونها تدر دخلا فلكيا على الجراحين والمستشفيات التي يعملون لصالحها والحقيقة ان من الاطباء من يقوم بذلك إلا أنهم قلة واكثر عملياتهم في هذا المجال تستهدف الزائدة الدودية!!” .
وزاد مروان بالقول ” هناك من الأطباء من يصر على حجب نتائج التحليل لغرض إجراء عمليات جراحية لمرضى تشير نتائج تحليلاتهم الى إصابتهم بمرض الكبد الفايروسي نوع C وفي حالات نادرة الإيدز لأن الإصابة بمثل هذه الأمراض الفتاكة يتطلب أدوات جراحية تستخدم لمرة واحدة او تعقيمها بشكل مكثف عبر الموجات فوق الصوتية ، ما يتطلب وقتا وجهدا ومالا يحرص بعض الأطباء على تجاوزه عبر حجب نتائج التحليلات المرضية ، علما أن بعضهم يجرون عمليات من هذا النوع برغم علمهم المسبق بالإصابة التي تؤدي الى تلوث معداتهم الجراحية وانتقال العدوى الى آخرين مستقبلا ” .
كاظم الشمري بدوره يبين ، أن ” هناك من المختبرات من يصر على إعادة إستعمال التيوبات – انبوبات الاختبار – المخصصة لفحص الإدرار ما يعطي نتائج خاطئة ، إذ أن هناك نوعين منهما ، زجاجي وبلاستيكي ، والعلة تكمن في النوع الأول الذي يجب تعقيمه بجهاز الحاضنة بدرجة حرارة عالية ، وقليل منهم من يفعل ذلك” .
وزاد بالقول ، هناك ” بعض المجمعات الصحية ذات الكشفيات المنخفضة- لغرض المنافسة والشهرة السريعة – عادة ما تستخدم مجاهر إلكترونية ذات نوعيات رديئة ومحاليل وأجهزة رخيصة الثمن وذات كفاءة متدنية و من مناشيء غير معروفة ما يوضح فرق الكفاءة والنتائج و يؤدي في نهاية المطاف الى قراءات غير دقيقة “.
وليد عباس يعمل في احد مختبرات شارع السعدون ،يكشف ، ان ” الكتات – الشرائح الزجاجية – عادة ما تكون نافدة الصلاحية تستخدم لرخص ثمنها ما يسفر عن قراءات خاطئة بسبب الجشع وبغية الحصول على نسبة أعلى من الأرباح ، هذه الأمور مجتمعة توضح جليا اسباب تباين النتائج من مختبر لآخر ولعلها واحدة من الإشكالات الخطيرة التي فاقمت من معضلة التشخيصات الطبية التي ذهب ضحيتها مئات المرض من دون الوقوف على المتهم الرئيس فيها والذي ظل بعيدا عن دائرة الإتهام وأعني به المختبر ” .
 
جشع وتقاسم أرباح
سلمان جاسم ، أحد العاملين في مختبر بمنطقة الباب الشرقي اشار الى ، ان ” بعض الأطباء يشترط إجراء التحليل في مختبرات بعينها من دون سواها بناء على إتفاق مسبق لتقاسم الأرباح وربما يكون الطبيب شريكا في المختبر او مالكا له ، و من الاطباء من يتفق سرا مع الصيدلية وعيادة الأشعة و عيادة الرنين والمفراس والناظور، للحصول على هامش من الأرباح التي تصل الى 50% ، ومنهم من يكتب رموزا وطلاسم على روشتة لا يجيد قراءتها سوى الشخص المعني الذي تم الإتفاق معه لإجراء التحليل او صرف الدواء ” .
سالم حميد ، (35 عاما ) احد العاملين في مختبرات ساحة بيروت ، ، انه ” و من خلال عملنا في مجال التحليلات المرضية وجدنا أن من اكثر الأمراض شيوعا في الوقت الحالي ، إلتهاب المجاري البولية ، فقر الدم ولزوجته إضافة الى تحاليل تتعلق بتحليل السائل المنوي ومشاكل الهرمونات لدى الرجال و العقم عند النساء وامراض الغدة الدرقية وكذلك مرضى السكري، وجرثومة المعدة H.pylori وإلتهاب المفاصل ” .
ويتابع ،عدي ابراهيم (45عاما ) وهو أحد المرضى الذي عانوا الأمرين من تباين التحليلات المرضية ، ان “بعض المحاليل المستخدمة والتي يتم استيرادها لا تخضع للتقييس والسيطرة النوعية للتأكد من كفاءتها وهي كبقية المواد المستوردة تدخل الى العراق من دون فحص ولا رقابة او عن طريق التهريب احيانا برغم مخاطرها ومحاذيرها الصحية الكبيرة ” .
وأردف ابراهيم ، ” صحيح ان هناك مختبرات رصينة في منطقة الحارثية ، إلا أن تكاليفها باهظة تصل احيانا الى 500- 600 الف دينار ، وصحيح ان هناك مختبر الصحة العامة المركزي الحكومي الذي يتعامل مع الامراض الانتقالية وغير الانتقالية وبرغم رمزية تكاليفه إلا أن معظم المرضى وأنا واحد منهم نحجم عن مراجعته بسبب الزخم الكبير وتعقيد الإجراءات وإلتزامه بساعات الدوام الرسمي بين 9 صباحا – 2 بعد الظهر، فضلا عن تقادم أجهزته وعطل البعض منها ” .
خلط النتائج لجني الأرباح
بعض المختبرات التي تشهد زخما كبيرا تشهد أحيانا خلطا بين نتائج التحليلات المختلفة او فقدان قسم منها فيعطى بعض المرضى نتائج البعض الآخر ، هكذا أطلقها مدوية ،خالد جميل ، وهو احد العاملين في مختبرات الكرادة الشرقية ، مضيفا ، ان ” مسؤولية تلافي مثل هذه الكارثة الإنسانية يقع بالدرجة الأساس على عاتق صاحب المختبر او المحلل وعلى ضميره الاخلاقي والمهني إذ أن من المحللين من يعطي نتيجة من نسج خياله المريض طمعا بالمال ومنهم من يبلغ صاحب التحليل بضرورة إعادته ثانية لفقدانه او لإختلاطه بتحليلات أخرى متحملا بذلك اللوم والعتاب وتكاليف إعادة التحليل “.
ويبين جميل ، ان ” هناك نتائج فحوصات مختبرية تقرأ في الأعم الغالب نتيجة ( نورمال ) او طبيعي اذ أن الغاية منها بالدرجة الأساس هي زيادة أرباح مالك المختبر لعدم حاجة المريض لها مقابل نسبة مستقطعة للطبيب المختص ، عبارة Normal تكون مدعاة لسرور المريض آنيا ولوفاته لاحقا !!
ويختم ،عادل ثامر، (26) وهو احد المتزوجين الجدد ، ان ” فحص المقبلين على الزواج الإجباري يشمل صنف الدم ونسبة الهيموكلوبين وتحديد عامل (rh) وفحص الايدز و التهاب الكبد الفيروسي A، B، C ومرض فقر دم البحر المتوسط او الثلاسيميا ، الا ان المفاجئة تكمن في الولادات المصابة بأحد هذه الأمراض لاحقا ما يثير الشبهات بشأن دقة التحليلات والمحاليل والأجهزة المستخدمة لهذا الغرض فضلا عن عدم إكتراث العاملين في المراكز الحكومية المخصصة بهذا الفحص الإجباري لقلة مخصصاتهم المالية ومرتباتهم الشهرية .

Categories: كتابات

اكتب تعليقاً

اترك رد