أطباء التخدير .. متاعب مهنية  ومخاطر صحية  وفصول عشائرية وحساد على إمتيازات القانون الأخير

حاوره : أحمد الحاج

مذ دون  أحد اطباء التخدير  مشاعره  وكتب يومياته عام 2007 ونشرها في احدى الصحف المعروفة وانا احترم ذلكم  الرجل وأعني به – طبيب التخدير – وأذكر أن الطبيب إياه كتب وبالحرف ” أن تكون طبيب تخدير   يعني انك بنظر المرضى وذويهم  ذاك الرجل الذي يقتل المرضى بسبب الجرعة الزائدة ! يعني أنك  مطالب بايجاد أوردة لمريض حاولت  قبلك 20  ممرضة و8 اطباء من تخصصات عدة  ايجاده من دون جدوى إلا انك  مستثنى  من القاعدة  ومطالب بالعثور  على   الوريد المتواري عن الأنظار و بنجاح ساحق وإلا فإن الكل سينظر إليك نظرة ريبة وتوجس ! ان تكون طبيب تخدير  يعني انك الرجل الذي يحق  لجميع المرضى  ومن يرافقهم  الكذب  عليه بمنظورهم  وإخباره بأن المريض لم يأكل شيئا قط منذ 7 ساعات – مع انه تناول طبق باقلاء بالدهن ، مع كاسة محلبي  ، أعقبها  بعشر سجائر مضروبة   قبل نصف ساعة من موعد العملية  فحسب –  وان تحاليله ممتازة  وانه على اتم الإستعداد لإجراء  العملية , وان كان  بتزوير نتائج التحاليل”.

اليوم وبعد إقرار قانون ” تشجيع أطباء التخدير” بالأغلبية في البرلمان العراقي  بغية تشجيع الاطباء للعمل في فرع التخدير الذي يعاني من فرار جماعي الى اقسام طبية اخرى فضلا عن استقطاب اصحاب الكفاءات والخبرات الطبية في فرع التخدير للعودة الى  العراق ولدعم وتشجيع ذوي المهن الصحية من تقنيي التخدير ومساعديهم   من العاملين بشكل فعلي في هذا المجال ، كان لزاما إجراء حوار مع أحد أشهر أطباء التخدير في العراق ، الدكتور عمار وجيه ، لإضاءة محاور عدة بشأن  المهنة الأخطر والأهم داخل الصالات الجراحية .

* دكتور عمار ، نود أولا  ان تعطينا  نبذة عن التخدير وأنواعه .

 

– التصنيف التقليدي لأنواع التخدير هو ثلاثة انواع رئيسة: التخدير العام الذي يُفقد المريض وعيه إضافة إلى مواد أخرى مزيلة للألم ومرخية  للعضلات بدرجة او أخرى،  الثاني هو التخدير الموضعي الذي تزرق فيه مواد التخدير في الموضع الذي يراد إجراء العملية فيه كما في عمليات رفع الاكياس الشحمية وكثير من العمليات التجميلية لاسيما للجروح،  الثالث هو التخدير المناطقي regional حيث يتم زرق المخدر الموضعي في السائل الشوكي اسفل الظهر أو في جذور الأعصاب فوق الذراعين أو الساقين للحصول على مساحة كبيرة من التخدير، أحياناً تبدأ من السرة حتى أخمص القدم.

علم التخدير تطور كثيراً في الثلاثين عاماً الأخيرة وما يزال يتطور.

* هل هناك  آثار  جانبية ناجمة عن التخدير  ؟

– لا يوجد نوع من التداوي يخلو من الأثار الجانبية، فكيف إذا استخدمت أدوية لتنويم المريض نوماً عميقاً، أهم جهازين على طبيب التخدير الاعتناء بهما، الرئتان والقلب، لأن التخدير له علاقة مباشرة مع التنفس،  لذا فإن اغلب العمليات الكبرى وفوق الكبرى تستخدم فيها أجهزة التنفس الصناعي Ventilators التي تضخ مزيج الاوكسجين والهواء الى رئتي المريض بطريقة الشهيق والزفير الآلي، القلب والدورة الدموية يتأثران صعوداً ونزولاً، ضعفاً وقوةً نتيجة التخدير،  وكل الآثار الجانبية مسيطر عليها في أنواع التخدير الحديثة وبنسبة عالية.

 

* تعاني المستشفيات العراقية  حاليا  من نقص حاد  في  أطباء التخدير بمعدل طبيب تخدير واحد  لكل 4 صالات عمليات جراحية  الأمرالذي انعكس سلبا على مواعيد  اجراء العمليات الجراحية  الطارئة ووفاة عشرات  المرضى من جراء التأخير الحاصل نتيجة النقص الكبير  بسبب  عدم قدرة  طبيب التخدير على فتح عيادة خاصة  به   ما أثر سلبا  على موارده المادية  ،  اضافة الى انخفاض اجورهم وعدم  وجود فرص عمل لهم  في المستشفيات الأهلية  و  خطورة المهنة   خشية  تعرض المريض  الى مضاعفات أو وفاته   أثناء التخدير وما  يترتب عليه  من   اعراف وتقاليد عشائرية واجتماعية  يكون طبيب التخدير ضحية  لها وفي مقدمتها  الفصل  العشائري ، ما دفع العديد منهم الى ترك المهنة والتوجه الى اختصاصات طبية اخرى، بماذا تعلق على ذلك  ؟.

– مهنة التخدير والعناية المركزة بشتى أنواعها فيها حساسية كبيرة وتحتاج إلى بيئة مستقرة سياسياً وامنياً ومجتمعياً، باعتبار أننا نتعامل مع تقنية عالية جداً يمتزج فيها الطب والصيدلة والهندسة الميكانيكية والإلكترونية.

ضمان عدم انقطاع الكهرباء امر مطلوب لضمان عمل أجهزة التخدير ومراقبة الفعاليات الحيوية بكفاءة. وجود تقنيات حديثة وادوية تخدير غير منتهية الصلاحية ومساعدين أكفاء ومراقبة كفئة بعد العمليات في غرف العلاج المركز والعناية المركزة، كلها متطلبات مهمة لا يمكن تجاوزها.

الوضع المضطرب في العراق يؤثر كثيراً على تلك المفردات والمعطيات، ومع الوقت يولد نوعاً من الأسى والملل لدى الكفاءات الطبية وغير الطبية ومنهم طبيب التخدير والعناية المركزة بشكل خاص.

في ٢٠٠٥ كنت مسؤولاً عن وحدة العناية المركزة، وجيء بمواطن عراقي قد دهسته عربة همر امريكية وهو يقود سيارته فتسببت بكسر اضلاعه وتمزق عضلاته. لا أخفيك، في وقتها كنت اشعر بألم في اننا نبذل جهدا  مع بعض مرضانا ربما لتسعة أشهر لتعود لهم عافيتهم، وتأتي الحروب لتحطمهم في ثوان معدودة ،  لم يكن ذلك الشعور سهلاً، فكيف وقد اهدرت أرواح مئات الألوف من الابرياء في الفتنة الأهلية؟

* هناك من الكوادر الصحية من  قد أزعجهم  اقرار قانون تشجيع اطباء التخدير لأنه  ظلم فئة مهمة من الكوادر الصحية التي تمثل 70% من العاملين في المستشفيات، ممن  تزيد أعدادهم  على  285 الفا  ، اذ لم  يشملوا   بامتيازات اطباء التخدير، لاسيما الحاصلين منهم على شهادة الدبلوم العالي من قسم التخدير، وعددهم نحو 7 الاف مساعد طبيب تخدير  كما ان القانون يتضمن منح مخصصات اضافية لتشجيع اطباء التخدير  من دون اية  امتيازات  للمساعدين على حد وصفهم ، كيف ترد على ذلك ؟ .

–  اولا وتصحيحا للمعلومة، الدبلوم العالي يمنح للحائزين على البكالوريوس بعد دراسة سنة او سنتين. أظن أنك تقصد الدبلوم المكافئ لدراسة المعاهد.

في كل الاحوال، جميع الشرائح لها حق وثمة ظلم واضح لخريجي كلية التقنيات الطبية، ولخريجي المعاهد. والصواب أن لا نلغي مخصصات أطباء التخدير وإنما ندفع باتجاه تشريع قوانين أخرى للتقنيين والمساعدين. وليس في التخدير فقط بل في كل اقسام العناية او العلاج المركز، تنفسياً كان او قلبياً او قسم غسيل الكلى او غسيل الدم أو الجملة العصبية ونحو ذلك.

 

 

* مخصصات  القانون تضمنت صرف مخصصات  بنسبة 100% على الراتب الاسمي وقطع ارض سكنية مجزية بمركز بغداد بمساحة 200م، وفي المحافظات الطاردة ميسان وذي قار والمثنى بمساحة 400م، وفي باقي المحافظات 300م ، ما فتح الباب امام  الحساد الى النظر اليكم بأعين مفتوحة – وقاكم الله شرها – مع انهم لم ينظروا الى المميزات  من زاوية اخرى لسد النقص الحاد بموازاة مخاطر لا حصر لها قبل وبعد التخدير ، ماهو رأيك ؟

 

– للعلم، لم يحصل أطباء التخدير لا في النظام السابق ولا بعد الاحتلال على امتيازات. ومن حق جميع المواطنين الحصول على حقوقهم. العاقل الذي ينظر إلى أن تلك الحوافز سيكون المستفيد الأول منها المواطن باعتبار أن من شانها ان تشجع الاطباء على البقاء وترك الهجرة، عندها لن يحسد بل يعدّ ذلك مقدمة لمصلحة وطنية ونرجو أن تشرع قوانين أخرى لكل فئات  الشعب بالتدريج.

*حدثنا  عن موقف طريف  وآخر غريب  واجهك خلال او قبيل تخدير احدهم ما يزال عالقا في الذاكرة .

– المواقف الطريفة كثيرة. ومن اطرفها انه في زمن الحصار شحت الأدوية إلى حد كبير ما اضطرنا الى استخدام البدائل. في وقتها توفرت في المستشفيات الحكومية مادة “الكيتامين ” وهو مخدر قوي لكن من مشاكله انه يسبب هلوسة بعد الافاقة. لذا لم نستخدمه بكثرة الا وقت الحصار.

افاق رجل محترم من التخدير، وكنت واقفاً اراقبه، ويبدو انه تذكر ايام الحرب مع ايران والتي كانت تسمى قادسية صدام. سألني عند الافاقة وبالطبع كان يترنح قائلاً: هل خدمت في القادسية؟ قلت نعم. قال: ابوك قاتل في القادسية؟! فجاملته وقلت نعم. ثم قال: امك قاتلت في القادسية!!! فتملكني الضحك ولم املك ان اسكت وضحك من حولي من الاطباء والمساعدين.

 

الموقف الغريب اننا خدرنا مريضاً لنجري تنظيراً للمثانة. واغلب المرضى يكتفون بما يقارب ٣٥٠ ملغم من مادة “البنتوثال”  لكنه لم ينم الا بعد ان زرقته بـ ١٠٠٠ ملغم اي ثلاثة اضعاف ثم وضعت الكمامة على وجهه ليستنشق رذاذ الفلوثين. وبعد ان اجريت له عملية التنظير التشخيصي من قبل الاستاذ اسامة نهاد رفعت، اغلقت المواد المخدرة، فاستيقظ في ١٠ ثوان وابتسم في وجهي قائلاً: الله بالخير شلونك زين؟ علما انه لم يكن يحتسي الخمر!!

* خلال الحرب العراقية الإيرانية  أصبت بشظية هاون 120 ملم استقرت على  الشريان الصاعد في الرقبة ، وخشي  الأطباء الميدانيون من اخراجها وأحالوني الى مستشفى القوة الجوية وهناك أخبرني الطبيب الجراح بضرورة إجراء عملية في الموعد الفلاني ، يومها رفضت ان يرافقني احد وذهبت وحيدا الى المستشفى ، وبعد وصولي صباحا اغرتني رائحة الشواء القريبة فتناولت ” نفر تكية ونص نفر كباب مع البصل والطماطة المشوية + قدح  شاي مهيل ” ودخلت الى الصالة كالطاوووس،  فسألني طبيب التخدير “متى تناولت آخر وجبة طعام ؟ ” قلت قبل عشر دقائق ،  قال وماذا أكلت؟  ” قلت كذا وكذا ! فقال امشي اطلع بره ..تريد تموت !!

ترى ماهي  الضوابط  والمحاذير والخطوات  التي يتوجب  على المريض إتباعها قبل خضوعه الى التخدير ؟

– عوافي عليك التكة والكباب وبعد لا تسويها!!

في المعدل يجب ان يمتنع المريض عن الطعام والشراب لمدة ٤ ساعات في الاقل قبل العملية. وثمة اجراءات اخرى كثيرة لذوي الحالات الخاصة. مثلاً المدخن ننصحه بترك التدخين لمدة اسبوعين في الاقل. واذا كانت الحالة ملجئه فيومين.

مرضى السكر والضغط والقلب يجب ان يأخذوا ادويتهم بانتظام ووفق بروتوكول خاص قبل العملية كي لا تتدهور حالتهم بعد الافاقة.

المرضى الذين يتناولون مضادات التخثر مثل “الوارفرين” ، يطلب منهم ترك الدواء قبل يومين او ثلاثة ثم يزرقون بدواء وريدي اسمه هيبارين… وهكذا.

المريض الذي لا يلتزم يؤذي نفسه قبل غيره. فاذا كان قد تناول الطعام قبل العملية ثم تقيأ اثناء التخدير قد يعرض حياته للخطر ويدخل الطعام الى رئتيه ويسبب كوارث.

 

* هناك من يحمل طبيب التخدير تبعات فشل العملية  او نجاحها ، ترى من اين تأتى مثل هذا العرف الخاطئ  وما ترتب عليه من فصول وملاحقات عشائرية واعتداءات وتجاوزات  تطال  أطباء التخدير بعيد فشل العمليات الجراحية  واحيانا قبلها ؟

 

– كثير من الاعراف اقرب الى الخرافات او الشائعات التي فشت من دون تمحيص حالها حال عدم جواز اكل السمك مع اللبن. الاساءة التي تبدر من الفريق الطبي ان وجدت فهي ما بين التعدي او التقصير. وقد يكون من الجراح او المخدر او المساعدين او الطبيب الباطني الذي يكشف على المريض قبل العملية او الفريق الذي يتابع ويراقب بعد العملية. وكلها حالات سهلة الاكتشاف لاسيما اذا كانت الاجنة التحقيقية ذات خبرة وكفاءة.

ومع ذلك فثمة اجراءات تقلل الى حد كبير الاخطاء الطبية، ومنها جودة التعليم والتدريب، الثقافة العامة، الالتزام الديني والسلوكي، الرقابة والتفتيش، البيئة المجتمعية، الحقوق،….الخ.

* ابن القف الطبيب   المسلم المولود  سنة 630 هـ   افرد في  كتابه “العمدة في الجراحة” فصلا كاملا للحديث عن تسكين الألم الجراحي، ذاكرا الأفيون واللفاح والبنج، وكذلك فعل ابن سينا والرازي وعيسى بن علي  حين كتبوا عن الاسفنجة المرقدة, واستعمالها في تخدير المرضى أثناء بعض الجراحات, ممهدين  الطريق بذلك  لظهور فكرة التخدير الإنشاقي, التي  تعد القاعدة الأساس  التي بني عليها علم التخدير في العصر الحديث بعد اكتشاف مادة الايتر عام 1842م  ، نود السؤال عن ماهي المادة المخدرة المستعملة حاليا في العمليات الجراحية ؟ .

.

 

-بالمناسبة، كلمة بنج مشتقة من الفارسية او الكردية (پينج) وتعني خمسة مواد تخلط وتستنشق. مواد التخدير مخلوقة قبل آدم عليه السلام ومنه شجرة الأفيون والپاپافيرتم وهكذا.

وقد تطورت ادوية التخدير كما ذكرت في البداية، وتميل كثير من مستشفيات العالم الى التخدير الوريدي الحديث الذي يمكن ضبط جرعة التخدير فيه الى درجة كبيرة خاصة بعد ان اكتشفت اجهزة التقطير الالكترونية قبل حوالي ٢٠ عاما، وساعدت في ضبط التقطير الكترونيا.

من المؤلم ان العراق استخدم مادة “الپروپوفول”  منذ اواخر الثمانينات، وقد اجريت عام ١٩٨٩ اكثر من ٢٠٠ عملية بواسطة هذه المادة. ثم عرضت علي عام ٢٠٠١ في مستشفى اردني على انه دواء حديث!! قلت لهم لقد استخدمت هذا الدواء منذ ١٢ عاماً.

كذلك تقنيات المراقبة. فقد استخدمت جهاز مراقبة نسبة الاوكسجين النبضي في مستشفى الناصرية العام في سنة ١٩٨٥ لكنه لم ينتشر في الدول العربية الا اواسط واواخر التسعينات!

العراق سبق كثيرا ثم تراجع كثيرا ونسال الله ان يعيد اليه عافيته.

* كلمة اخيرة تود اضافتها.

– كلمة اخيرة اقولها لزملائي في الطب، وقد تبدو غريبة بعض الشيء. في ١٩٩٠ عاد الى العراق طبيب قدير مختص بالباطنية. قلت له لم لم تبق في لندن؟ قال هل تريدني ان اعالج الغريب وانسى ابن بلدي الذي يحمل ديني وهويتي؟

صحيح ان الرباط في البلد صعب جدا على كثير من الكفاءات، لكن عزاءنا اننا نعالج او نتعامل مع اهلنا. ثمن يجب ان يدفع. والجزاء سيكون كبيرا من ربنا سبحانه.

 


Categories: حوارات

اكتب تعليقاً

اترك رد