بلا رتوش  مع ” الدكتور احمد خيري العمري ” …

رشحت لتأليف كتاب عن سيدنا بلال الحبشي  تنوي “بارجون انترتيمنت” إطلاقه مع  فيلم الأنيميشن ” بلال ” بلغات عدة

 

في مجلس والدي ” صالون الجمعة ” حدث الصلح بين شاعري العراق  دائمي الخصام ” الرصافي والزهاوي”

 

حاوره : احمد الحاج

أحمد خيري العمري،  كاتبٌ عراقيٌ  من مواليد بغداد  عام 1970 ، والده مؤرخٌ وقاضٍ عراقي معروف ،  تخرج العمري في كلية طب الأسنان  جامعة بغداد عام 1993،إلا أنه  عُرف  كاتباً  إسلامياً تجديدياً أكثر من معرفته طبيباً ، لمع نجمه بسرعة، وعدّه  بعض النقاد امتداداً للمفكر الجزائري “مالك بن نبي” ، شهرته  وُلدت من رَحِم  مؤلفاتٍ رصينة  تميّزت  بأسلوبٍ  أدبيّ شائق، ومضمون  رفيع يستهوي القرّاء ويستميلهم ليصل معهم  في نهاية المطاف وعبر  صفحات   كتبه  المتخمة بالعصف الذهني في عصر التصحر المعرفي والجدب  الأخلاقي  والجفاف  الوجداني الى الفكرة  الأساس مناط البحث التي يود “العمري” إيصال  القراء  إليها  بعد رحلة  مفعمة  بجرأة الطرح  ومتانة المضمون .

 

* ترى من أين أتيت بهذه المَلَكَة في الكتابة والتصنيف مع القدرة منقطعة النظير على الإقناع ،من الطب ؟ من مكتبة والدك  العامرة؟ من مطالعاتك الشخصية؟ من صحبة المشايخ؟ مجالس العلماء؟ أم من أين تحديداً ؟

-الرد على هذا السؤال دون التعليق على مقدمته صعب ، أنا إذ أشكرك على ما تفضّلت به ، فإني أنوّه إلى أن وصف ما أسميته بملكة الكتابة عندي ليس أمراً متفقاً عليه ، فهناك على الجانب الآخر من يرى عكس ما تفضلت به تماماً، الأمر لا يقلقني ولا يزعجني ، بل أراه طبيعياً تماماً.

بعد هذا التوضيح ، وبالإشارة لما قلت ، الملكة بالتعريف ، هي شيءٌ جبليٌّ  فطري ، نولد بها ولا نكتسبها، لكن الملكة أو الموهبة لا تكفي أبداً للإنجاز ، كما أن المواد الخام في باطن الأرض لا يمكن أن تكون ذات فائدة دون استخراج وتكرير.

صقل الموهبة ، وتزويدها بالوعي ، بوجود قضية وهدف ، هو ما يجعل هذه الملكة تُنتج .

بالنسبة لي ، الجو الثقافي العام في البيت، مكتبة والدي الضخمة ، وكونه كاتباً أنتج خمسة مؤلفات -قبل مرضه الذي أقعده  وهو في أوج عطائه-، ، كل هذا كان له أثر حتمي في شحن الموهبة وتحفيزها .مطالعاتي الشخصية ساهمت في ذلك أيضاً بالتأكيد.

الطب منحني حداً معيناً من المنهجية العلمية ، منحني الواقعية والارتباط بالأرض.

لم يكن هناك صحبة مشايخ أو مجالس علماء على النحو التقليدي ، كان والدي أقرب إلى العلمنة ، ولكنها كانت علمنة معتدلةً جداً ، لم تعاد الدين على الإطلاق ، ولا أذكر أي موقف اتخذه والدي ضد ميولي الدينية رغم أنها كانت مبكرة جداً ، وكان يمكن قمعها بسهولة لو أنه أراد ذلك.

كان لوالدي رحمه الله مجلس أدبي وثقافي كل يوم جمعة ، تكون على نحو تلقائي بعد مرضه ، حيث بدأ أصدقاء والدي ومعارفه يأتون للاطمئنان عليه ، وبما أنه كان شخصاً نشطاً جداً على أكثر من صعيد ( قضائي –فكري – اجتماعي) فقد كان معارفه يمثلون طيفاً متنوعاً داخل الطبقة الوسطى العراقية في آخر مراحلها المزدهرة في الثمانينات ، مع الوقت انتقل الأمر من مجرد الاطمئنان على صحة والدي إلى مجلس ثقافي عام ، شكّل متنفساً طبيعياً لهذه النخبة بعيداً عن (شعارات الحزب والثورة) التي كانت مهيمنة في تلك الفترة ، في بعض الفترات ، كان شارعنا يغلق تماماً بالسيارات بسبب عدد الوافدين للمجلس.

ضم ذلك المجلس أعلاماً في مجالات شتى بين القضاء والتاريخ والأدب ، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر (حسين جميل ، ضياء شيت ،د.مؤيد العمري،  صلاح بيات ،  نور الدين الواعظ ، صاحب خميس ، عدنان العلوي ، حازم يونس ، هديب الحاج حمود ،  خالص عزمي ، د.إبراهيم الوهب ، نجدت فتحي صفوت ، بلند الحيدري ، عبيد الحاج خلف ، أحمد فوزي ، مدحت الجادر ، أكرم الوتري ، فايق روفائيل بطي ، فاروق العمري ، غسان رؤوف ، حارث يوسف غنيمة ، د.علاء جاسم)  مع حفظ الألقاب للجميع ، ورحم الله من توفى منهم وأمد الله في عمر الأحياء ، ولعل من أشهر وأهم الحاضرين ، هو المفكر العراقي الأكثر تأثيراً بين كل المفكرين العراقيين ، الدكتور علي الوردي.

لن أدّعي هنا أن الطفل -ومن ثم المراهق – الذي كنته كان حريصاً على الحضور في المجلس ، لكني كنت دوماً هناك حول المجلس ، أقوم بواجب الضيافة على الأقل ، وأستمع لما يقال ، وأمتصه بصمت،  ولا يمكن أن يكون هذا قد مر دون تأثير.

كذلك لا يمكن لي أن أتحدث عن تأثير والدي من دون أن أتحدث عن تأثري بيومياته التي كان يكتبها منذ أوائل الخمسينات وحتى يوم مرضه،  كانت هذه اليوميات هي وسيلتي للتعرف على والدي لاحقاً بعد أن عطّل المرض دوره كأب ، وفي اليوميات ، يكون المرء صريحاً عادة ، ربما صريحاً أكثر مما يجب ، ولا يأبه لأي إزعاج يمكن أن يحدث ، لأنه لا يفترض أن أحداً سيقرأ ما يكتب…بعبارة أخرى [ لا أسف على الإزعاج ] هل يذكرك هذا بشيء؟

لا يمكن أيضاً أن يكون هناك حديث عن تأثير والدي ، دون الحديث عن تأثير والدتي- أمد الله في عمرها-  وهي المحامية “لميس محمود صبحي الدفتري” ، التي نشأت في جو مماثل حيث كان لوالدها (الوزير في العهد الملكي) مجلساً أدبياً أكبر استمر لعقود ، وهو المجلس المعروف باسم (صالون الجمعة) ، وكان يستضيف فيه أهم الشخصيات الأدبية والسياسية في عراق ما قبل انقلاب 1958 ، وهو المجلس الذي عقد فيه الصلح (المزعوم) بين شاعري العراق الكبيرين دائمي الخصام : الرصافي والزهاوي.

والدتي اكتشفت وجود الموهبة عندي في الصف الثاني الابتدائي ، عندما كتبتُ رسالة لابن خالتي الذي كان يعيش مع أهله في الإمارات آنذاك ( قتل لاحقاً في فلتان العنف الطائفي عام 2006) ، من يومها ووالدتي لا تشجعني فحسب ، بل تدفعني ( على الأقل لفترة ما) في درب الكتابة،  بعد سنوات سافرنا لمصر حيث تلقى والدي العلاج هناك لفترة ، يوم عدنا ، كانت الحقائب تضم (201) عنواناً من الكتب والكتيبات التي جئت بها من مصر. كان يمكن لوالدتي أن تفاصل في شراء أي شيء لي ، إلا الكتب !.

كما كان لوالدتي اهتمامات أخرى لم تكن لوالدي ، مثل اهتمامها بالتاريخ القديم والمتاحف والفن عموماً ، وكل هذا وسع من مداركي ومجالات اهتمامي ، ولا بد أن يكون هذا قد أثر أيضاً على صقل موهبتي.

لهذا عندما أقول لك بأني لم أعرف ( مجالس العلم ) التقليدية أو صحبة العلماء ، فإني أقول أيضاً أني قد ولدت تقريباً ، في مجلس علم.

*  تم اختيارك  عام 2010  لتكون  الشخصية الفكرية التي تكرمها” دار الفكر ” في تقليدها السنوي، والذي سبق أن كُرم  مفكرين  لهم باعٌ طويلُ في التأليف  والتصنيف   أمثال:   عبد الوهاب المسيري ،  مؤلف “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”  أحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين، وكذلك  الدكتور وهبة الزحيلي صاحب كتاب ”  آثار الحرب في الفقه الإسلامي، مقارنة بين المذاهب الثمانية والقانون الدولي” و جودت سعيد وكتابه “كن كابن آدم” و  هاني رزق مؤلف كتاب ” مُوجز تاريخ الكون من الانفجار الاعظم إلى الاستنساخ البشري”  و بهذا يكون العمري هو الأصغر سناً من بين جميع  المكرّمين ، و هي مسؤولية و تكليف تحمله إياها دار الفكر ، كما جاء في نص الرسالة التي دعتك لحضور حفل التكريم ..حدثنا عن هذا التكريم قليلا .

– دار الفكر ، ممثلة في الأستاذ عدنان سالم ، أمد الله في عمره ، كانت من أول وأكثر من دعمني في مسيرتي ، منذ أن قدمت للدار كتابي الأول ، وعلاقتي بالدار وبالأستاذ عدنان تتجاوز علاقة الناشر بالكاتب إلى علاقة الأب بالابن.

لا يمكن لي أن أتخيل كيف ستكون مسيرتي لولا دعم الأستاذ عدنان! ، لكني واثق أن طريقي كان سيكون أصعب بكثير.

موضوع التكريم يجب أن يوضع في سياقه ، تلك السنة ، كانت مخصصة لدعم جهود الشباب ، لذلك كان اختياري ككاتب شاب لم يكن قد تجاوز الأربعين وقتها ، وبالتأكيد كان الأمر يمثل دعماً ومسؤولية كبيرة ، إذ وضع اسمي بجانب أسماء كبيرة كالتي تفضلت بذكرها وغيرها ، كما صدر عني في تلك السنة كتاب ( صانع الأنفاق) الذي ضم مقالات وبحوث عن نتاجي.

تكريم دار الفكر كان مهماً جداً بالتأكيد ، لكن التكريم الأهم يحصل عليه الكاتب يأتي غالباً من قارئ مجهول لم يرَ وجهه إطلاقاً ، يرسل ليقول له،  من دون مجاملة أو مصلحة ، أن كتبه غيرت حياته.

هذا هو التكريم ، الجائزة ، الأهم ، هذه هي نوبل الحقيقية ، تتسلمها  دون مراسم أو احتفالات.

 

*  أنت القائل:  الفرق بين ” القرآن من أجل النهضة و”القرآن من أجل الختمة” كالفرق بين الصحابة.. وبيننا ، حدثنا عن مدى البون  الشاسع بين المطلبين،  الختمة والنهضة .

–  تعودنا أن نقرأ القرآن للبركة ، للحصول على الأجر ، لزيادة الحسنات .

لكننا لا نحاول قراءته كما لو كان كتيب الاستعمال المرفق بجهاز جديد نريد أن نتعلم تشغيله.

هذا هو ببساطة شديدة الفرق بين تعاملنا مع القرآن ، وتعامل الصحابة معه.

 

* أعلنت شركة “بارجون انترتيمنت”  الشركة المنتجة لفيلم الرسوم المتحركة  الأضخم “بلال” بالتعاون مع الممثل الامريكي الشهير،  ويل سميث،  أن  العمل سيعرض في  دور السينما مطلع  العام 2016  ، مشيرة الى ، أنه ”  يعد أول فيلم “انيميشن” عن شخصية  أول مؤذن في  الإسلام ، الصحابي الجليل ،  بلال بن رباح،  استغرق  انتاجه عدة سنوات  لكي يظهر بشكل متميز، سيتم طرحه باللغة  الإنكليزية  ووضع ترجمة له في  النسخ العربية، “، لافتة إلى أن “الفيلم تم  تصويره   بأحدث تقنيات السينما العالمية، ويسرد قصة حياة  الصحابي الجليل “بلال” منذ طفولته الأولى في بلاد الحبشة، مرورا ببيعه عبداً في  جزيرة العرب، وصولاً إلى تحوله إلى أحد أبرز صحابة النبي  محمد صلى الله عليه وسلم،  ومن المقرر كما أكدت وسائل الإعلام العربية والأجنبية ، أن يتم طرح كتاب عن سيدنا،  بلال بن رباح،  مصاحب لعرض  الفيلم، كتبه الدكتور ، أحمد خيرى العمري،  حدثنا عن الملحمتين ” الفيلم والكتاب ” فالجمهور متشوق لكليهما معاً .

-كما تفضلت ، فيلم (بلال) ، الذي أنتجته شركة براجون ، أول محاولة عربية لدخول السينما العالمية من هذا الباب ، الفيلم ليس ضخماً ومتقناً فحسب ، بل هو عمل مبدع على المستويات كافة ، وقد بذل فيه المنتج والمخرج وداينمو العمل الأستاذ “أيمن جمال” جهوداً استثنائية ،وأتمنى أن يحقق الفيلم ما يستحق من رواج وتأثير.

بالنسبة لمشاركتي ، فإني لم أنل شرف المشاركة في السيناريو، ولكني رشحت لكتابة الكتاب الذي تنوي الشركة إطلاقه مع نزول الفيلم ، وكان مجرد ترشيحي مع  كاتبين آخرين مهمين جداً ، شرفٌ كبيرٌ لي.

الكتاب هو رواية عن سيدنا بلال ، وهو شيء مختلف عن كل ما سبق وكتبته من قبل ، وعن كل ما هو متوقع مني ، ومن رواية عن سيدنا بلال !

على الصعيد الشخصي تجربة كتابة “بلال” كانت من أكثر تجاربي اندماجاً وتماهياً مع العمل ،وهو أمر مرهق جداً أثناء الكتابة ، لكن ذكراه لاحقاً تصبح حلوة جداً.

الكتاب يترجم الآن إلى الإنجليزية ، ولاحقاً إلى لغات أخرى ، تمهيداً لنزوله مع الفيلم.

لا أملك الكثير لأقوله عن الكتاب ، أفضل أن يتحدث الكتاب بنفسه ، وقتها.

 

 

* أنت كاتب  غزير ومتنوع  النتاج ،  صدرت لك  بين 2003-2015  عشرة كتب  تباينت بين البحث العلمي  والروائي والأدبي ،  إضافة إلى عشرات المقالات  في صحيفتي”  العرب القطرية”  و” القدس العربي ” اللندنية ، أين يجد العمري نفسه،  في تأليف الكتب أم في كتابة المقال؟ وهل أن بعض مؤلفاتك هي  جمع لعدد من مقالاتك المتناثرة في باب ما،  بين دفتي كتاب لاحقاً ؟

-بالتأكيد في الكتب ، لا أزال أعتقد أن الكتب هي التي تملك وسيلة البقاء أكثر من أي شيء آخر..في الحقيقة ، الكتب هي عشقي الكبير الثابت ، ومنذ أن وعيت وهي كذلك ،أحب الكتب وأغلفتها ورائحة الورق فيها ، أعتقد أني كنت في الخامس الابتدائي يوم حلمت أن أكتب كتباً تملأ مكتبة كاملة !

كتبت المقالات لكي أوصل أفكاري لقراء آخرين ، وكي أجذبهم إلى الكتب ، وهو نفس سبب وجودي  في السوشيال ميديا لاحقاً ، ومؤخراً في الميديا.

لم أقم بجمع المقالات في كتب ، للأسف يتطلب الأمر وقتاً للإعداد لذلك ، وحياة الكاتب تكون دوماً كما لو أنه كتب (يتبع) في آخر كتاب له وعليه أن يذهب بسرعة للكتاب القادم ، لا فرصة للنظر إلى الوراء.

أكثر المقالات التي أتوقع أني سأتمكن من جمعها في كتاب قريباً هي مجموعة المقالات التي كتبتها في أمريكا ، إذ يجمع بينها موضوع واحد ، وهذا يجعلها أقرب لروح الكتاب.

* أحدثَ كتابك ”  البوصلة القرآنية: إبحار مختلف بحثاً عن الخارطة المفقودة” عام  2003 ردود  أفعال  تراوحت بين الرفض والقبول ، واتهمك  البعض بأن هناك من كتبه لك  لحداثة سنك إلا أن استمرارك  في التأليف  هدم تلك  الفرضية لاحقاً وقوّضها .. مالذي تعنيه بالبوصلة القرآنية ؟ وماهي طبيعة الخارطة المفقودة التي تشير اليها  هذه البوصلة ؟

-البوصلة القرآنية كتابي الأول.

عندما بدأت بالكتاب ، لم أكن متأكداً من أني سأكمله ، ولم أكن متأكداً أنه سينشر ، ولم أكن أعلم إن كان سيتبع بكتاب آخر أو لا.

كان الأمر أشبه بفرصة قد لا تأتي مرة ثانية ، لذا كتبت فيه كل ما أود كتابته كما لو أني لن أكتب مرة أخرى ، لا خوف على مكانة اجتماعية أو رضى وقبول الناس أو أي شيء آخر….لا شيء لدي لأخسره ككاتب ، يمكنني أن أفشل من دون خوف لأنه لا نجاح سابق لديّ لأضيعه ، يمكن لي أن أتوقع النقد الشديد أو حتى الصمت اللامبالي فلا أحد يعرفني ويمكن أن أقول ببساطة أن ثمة تشابه أسماء لو شئت!

لا أذكر حقيقة أني كنت أفكر بالنتائج ، وأن مسار حياتي سيتغير بعد الكتاب ، كنت أكتب بشغف فحسب ، وأعلم يقيناً أن لا فرصة لدي للنشر في العراق في تلك الفترة ( أنهي الكتاب في 2001) ، لكني كنت أكتب دون أن افكر بالخطوة التالية وصعوباتها .

عندما قيل إني لست مؤلف الكتاب ، وأن هناك شخص كبير في السن يختفي خلفي ، أعتبرت أنها مزحة ، ثم عرفت أن الأمر لم يكن كذلك وأنه منتشر ، غضبت وحزنت يومها ، لكن الصديق العزيز الأستاذ صهيب الشريف (مسؤول لجنة النشر في دار الفكر آنذاك) قال لي ما جعلني أعتبر هذا أفضل ثناء قيل في الكتاب ، قال لي : ما داموا استكثروا الكتاب عليك ، فهم يقرون أن الكتاب جيد جداً !

استمرت هذه المقولة ، وإن بشكل متناقص ، موجودة إلى ما قبل سنوات قليلة ، وأذكر أني دخلت مرة في نقاش طويل مع رجل دين مقتنع تماماً بأني لست مؤلف لا البوصلة ولا الكتب التالية ! شعرت كما لو أني “أنستاسيا رومانوف” ابنة القيصر المزعومة وهي تحاول إثبات نسبها !

بمعزل عن هذه الحيثيات :يمكن اعتبار البوصلة مشروعي الأكبر ، ومنه تفرعت عدة كتب :

( الفردوس وكيمياء الصلاة وإلى حد ما سيرة خليفة قادم) ، البوصلة تشير إلى  أن أول العلاج هو التشخيص ، والتشخيص يقول أن المشكلة قديمة ، وعلينا أن نكون شجعان بما فيه الكفاية لكي نواجهها ، لأن الخريطة تمر في حقل ألغام تاريخية،  لكنه لا بد…

 

* هناك  من يأخذ عليك بأنك  لم تدرس  العلم الشرعي  أكاديمياً ، فيما ترد عليهم بأن مفكرين وكتاباً  كباراً أمثال مالك  بن نبي وسلسلته ” مشكلات الحضارة” ومصطفى العقاد وعبقرياته لم يدرسوا العلم الشرعي أكاديمياً ، هل برأيك أنّ إبداعك وابداع  من ذكرت  ممن تسير على خطاهم ، نابع مما أطلقت عليه في كتابك ” سيرة خليفة قادم ” بـ( حمى الهوس بالقضية … من أعراض الإيمان)  هوس يدفع المرء لاستغلال الوقت وبذل الجهد والمال  والقلم من أجل القضية على نحو أمثل يصل به الى – النيرفانا-  المعرفية إذا صح التعبير و التي تجعل من صاحبها  – سوبر مان –  يتفوق  على أقرانه في الفهم والإدراك وما يترتب عليهما من رصانة في الطرح على مستوى الأسلوب والمضمون ؟

-الهوس ، إن شئت ، مهم لأي إنجاز. لكنه لا يكفي وحده.وهو بالتأكيد ليس سبب نجاح مالك بن نبي والعقاد ، سأتحدث عنهما ، وليس عن نفسي ، وسأقول إن الدراسة الأكاديمية في المجال الذي أنتجا فيه كانت ستقضي على إمكاناتهما الكامنة ، كانت ستضعهما في قالب محدود ، يقتل إبداعهما وحريتهما الفكرية ، الدراسة الأكاديمية تدخل بعض القيود والنظم في طريقة التفكير ، وهذا أمر قد يكون جيداً ومفيداً للكثيرين ، ويتمكنون من خلاله من الإنتاج وتقديم ما هو نافع فعلاً.

لكن الأمر يحتاج دوماً إلى تحليق مختلف ، بطريقة تفكير مختلفة ، دون تلك القيود ، ولا ينجح فيه إلا قلائل ، لكن نتاجهم يكون مختلفاً عن المألوف ولاحقاً يقوم الأكاديميون بدراسة هذا الناتج.

هذا بشكل عام.

فيما يخص القرآن تحديداً ، ومأخذ عدم دراسة العلم الشرعي أكاديمياً ، أرغب في القول بوضوح أن القرآن كتاب رب العالمين أنزل للناس أجمعين ، وهو ليس كتاب غايتون في (علم الأمراض) لا يفهمه إلا المختصون…لذا عندما أقدم فكرة مستمدة من القرآن ، وهي تخالف فكرتك ، لا تقل لي ( أين درست) ، فهذا كتاب الله ، وليس حكراً على أحد ، ولكن قدم لي تناقض ما قدمته مع نص آخر ، أو مع فكرة أخرى قدمتها سابقاً.

ما أسهل شراء الشهادات في هذا العصر ، وما أصعب تقديم الجديد الذي لا تناقض فيه مع نصوص أخرى ، سواء كان لديك شهادة شرعية أو لا .

* برنامجك   التلفزيوني”  لا نأسف على الإزعاج” والذي  بث  يومياً  في رمضان عبر قناتي  الشارقة واقرأ كان بمثابة نقلة نوعية في مواجهة الفكر التقليدي وحظي باهتمام واسع عربياً تماماً كمؤلفاتك ، إلا أنه وكما كتبت يوماً تعقيباً على اختيارك  وللسنة الثانية على التوالي  في قائمة العراقيين العشرة الأكثر تأثيراً مع “زها حديد” و “يونس محمود”  و ” كاظم الساهر”:

للأسف ليس لدي أي تأثير يذكر في العراق ، وتأثيري في بقية البلدان أكثر بكثير ، أقول هذا بمنتهى الأسى ، ولكن كلي ثقة أن في العراقيين طاقات أكبر وأهم ، لكن ( ماكو بخت)”  لماذا برأيك أنتم  أكبر تأثيراً  خارج العراق  وأكثر غياباً  داخله برغم بيع مؤلفاتكم فيه ووصول برامجكم اليه سواء عبر النت أو الفضائيات العابرة  للحواجز  والأسلاك  والجدر  ؟

-العراقيون بشكل عام ، معاييرهم عالية ، وشديدو النقد ، خاصة على العراقيين مثلهم ، العراقي الذي يلاقى تقديراً من قبل عراقي آخر هو واحد من إثنين : عراقي ميت ، أو  عراقي حقق نجاحاً في الخارج .

كنت من المحظوظين الذين انتموا إلى الخانة الثانية وبالتدريج بدا الأمر ينسحب على نظرة العراقيين لي ، خاصة بعد البرنامج ، أصبح هناك تفاعل أكبر في صفحات التواصل الاجتماعي من العراق ومن العراقيين ( داخل وخارج العراق) ، أصبح هناك طلب أوضح على الكتب من داخل العراق أيضاً.

أعتقد أيضا أن ثمة إحباط داخل العراق ( خاصة عند الشباب) من كل ما له علاقة بالفكر الديني لأسباب لا تخفى ، لذا لا يتوقع أحد وجود شيء مختلف أو جديد في كتاب ديني.بالإضافة إلى أن التخندق الطائفي طال الجميع بما فيهم المثقفين ، لذا فكل ما أكتب أو أقول يمكن أن يفسر طائفياً حتى لو كان الأمر لا علاقة به بأي من موضوعات الخلاف الطائفية المفضلة… وهذا كله  أسهم في  تعطيل تفاعل العراقيين مع كتبي.

الأمر يتغير كما قلت ، بعد البرنامج  تسلمت  رسائل من متابعين من كافة الطوائف ، هناك من يراسلني وهم غير مسلمين أصلاً ! وأنا سعيد جداً بهذا.

أما قصة ( ماكو بخت) فأنا لا أرغب في النواح ، ولا في إلقاء اللوم كله على الظروف السيئة التي أحاطت بنا (في الأربعين عاما الماضية ! ) ، لكن العراقيين تعرضوا فعلا لظروف سيئة

( مركزة) وكان يمكن للعراقي أن ينجز أكثر بكثير لولا هذه الظروف. وهذا لا ينفي وجود مشاكل أساسية لدينا كعراقيين بمعزل عن هذه الظروف ، ولكن هذا موضوع آخر.

* ، البوصلة القرآنية، ليلة سقوط بغداد ، الفردوس المستعار والفردوس المستعاد ، سلسلة ضوء في المجرة(  أدرينالين ، غريب في المجرة، كش ملك، الذين لم يولدوا بعد ، تسعة من عشرة، يوم شهر سنة) أبي اسمه إبراهيم ، سلسلة كيمياء الصلاة (المهمة غير المستحيلة – ملكوت الواقع- عالم جديد ممكن- فيزياء المعاني- سدرة المنتهى ) ، ألواح ودسر ، استرداد عمر من السيرة الى المسيرة ، سيرة خليفة قادم ، القرآن لفجر آخر، طوفان محمد وغيرها من مؤلفاتك القيمة ، ترى ما الذي يريد أن يصل إليه العمري في مجمل ما كتب وألف ؟

إعادة فهم النصوص على ضوء المتغيرات الحالية المتسارعة باضطراد؟  أم إسقاطها – أي النصوص – إسقاطاً من الوحي الى العصر في حالة تسامي تتخطى عوالق الزمن وعوائقه وربما مفاهيمه أيضاً ؟

-على نحو عام جداً ، أريد أن يكون للدين دوراً إيجابياً في حياتنا ، أريد أن أساهم في تخليص هذا الدين مما علق به من سلبيات ومغالطات وخرافات ومخلفات للعصور السابقة.

بالتفصيل ، هناك الكثير مما يجب فعله وإنجازه للوصول إلى هذا الدور الإيجابي ، الكثير من المواجهات الفكرية ، وربما المعارك ، الكثير من القضايا التي قد تبدو جانبية للوهلة الأولى ، لكنها في الحقيقة في صلب الهدف الأول.

البعض من أعمالي الأدبية والروائية تريد أيضا أن تؤكد أنه يمكنك أن تنتج فناً وأدباً يحمل قضية وهدفاً دون أن تسقط في الآيديولوجيات والشعارات والوعظ المباشر.

على نحو شخصي وخاص جداً : أريد أن أترك أثراً  ايجابيا يبقى ..

س9: ماذا يمثل لك هؤلاء سلباً او إيجاباً  ببضع كلمات ؟

-الكواكبي وكتابه ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ”

-جمال الدين الأفغاني

– محمد عبده

– سعيد النورسي

– محمد اقبال

– أبو الأعلى المودودي

– أبو الحسن الندوي

– شكيب أرسلان

– محمد عمارة

– زكريا بطرس

-السيد القمني

– أحمد القبانجي

من الصعب جداً تلخيص مجهود وأثر شخص بكلمتين أو ثلاث ، بغض النظر عن كون هذا الأثر سلبي أو إيجابي.

لذا أفضل أن أقول صمتي وأنجو بجلدي!

 

* “أحمد العمري”  يقف  بالضد من  الفكر -المنامي-  الذي يعتمد  على  الأحلام  والرؤى  في توجيه الأمة كونه عائقاً من عوائق النهضة،  وفي ذات الوقت أنت ضد  أدعياء التجديد المادي ، أمثال “محمد شحرور” و “جمال البنا”  وجماعة القرآنيين ، بمعنى أنك تقف بالضد  من تخديرين  فكريين  للأمة ،  الأول بمثابة “هيرويين”  فكري مثبط للهمم  والعزائم ، يحلق  بها في  عالم الفنتازيا بعيدا عن الواقع المعاش ،  فيما الثاني بمثابة”  كوكايين ” فلسفي مادي  محفز للضياع،  مجرد للعواطف،  منسلخ عن التراث  ،  إلا أنّ  الأثنين معا  وفي نهاية المطاف بمثابة مخدر فتاك ينتهي  بالعقل الجمعي إلى  مصحة عقلية بلا دفع ولا نفع ، ماذا تقول لهؤلاء ولهؤلاء وباختصار ؟

-لا أقول شيئاً لأي من الفريقين ، كلامي دوماً للمترددين بين الفريقين ، لأولئك البين بين  ، هؤلاء هم منطقتي وعملي ، نادراً ما يغير شخص ما مؤمن بشدة بشيء إيمانه عبر نقاش أو قراءة كتب مخالفة ، التغيير يكون دوماً في أشخاص لم يحسموا أمرهم لكنهم يشعرون بالحاجة إلى التغيير.

بالنسبة لي الأمر واضح ، هناك تجديد حتمي يجب أن يحدث لأن الفهم التقليدي  منتهي الصلاحية ، في نفس الوقت ثمة ثوابت لا بد من المحافظة عليها كي لا يتحول الأمر إلى – فلتنة – باسم التجديد ( وهو ما حدث عند البعض). أرى –مثلا- أن ثمة مشكلة كبيرة في التعامل مع الحديث الشريف ، ولكن حل المشكلة بنسف الحديث كله ( كما يفعل من يسمون أنفسهم بالقرآنيين) ، يزيد المشكلة تعقيداً ويسيء لفكرة التجديد وسمعتها.

التجديد حتمي ، وهناك ما يجب أن يهدم فعلاً في فهمنا للدين ، ولكن التجديد ليس مقاولة هدم فحسب كما يقدمه البعض. الهدم حتمي ، لكنه هدم برسم البناء .

*  هل هناك كتب أو برامج  جديدة في جعبتك للعام المقبل ونحن  نعيش  الأيام الأخيرة من العام 2015 ؟

-إذا شاء المولى.. ستصدر رواية عن سيدنا بلال كما أسلفت ، وهناك أيضا كتاب آخر ، وربما يكون هناك عمل آخر.

*  هل غيرت سفرتك الى أميركا  شيئا من أفكارك ؟

-دوما أفكاري تتغير ، ولكن في اتجاه واحد.

أي تجربة يمر بها أي شخص تسهم  حتماً في تغيير أفكاره ، ما دام حيا.

يقال أن السماع بشيء لا يغني عن مشاهدته ، وهذا صحيح. لكن يبدو أن القراءة يمكن أن تغني ولو نسبياً ، كنت قد قرأت عن أمريكا كثيراً قبل الذهاب إليها ، وساعدني ذلك في فهمها أكثر ، لم يكن هناك صدمة حضارية على الإطلاق ، كنت أعرف وأتوقع أغلب ما شاهدت.

إيجابية الفرد الأمريكي هي أكثر ما لفت نظري ، خاصة بالمقارنة بتذمرنا عموماً كشعوب شرقية ، وقد كتبت مقالاً عن الموضوع ، تحدثت فيه عن سيدة عراقية كانت في الباص من نيويورك إلى العاصمة واشنطن ، ولم تكن تتوقع وجود من يفهم عليها بينما هي تتذمر طيلة الوقت من كل شيء من السائق إلى الفندق الذي كانت فيه بكل ما نيويورك (قالت عنها أنها تشبه ساحة التحرير) وصولاً إلى حيث عطست واحدة من راكبات الباص معنا ، فقالت السيدة لها بكل عفوية : وجععععع!.

* كلمة أخيرة لمحبيك وهم كثر ولمبغضيك  أيضاً أينما وجدوا !

-للمحبين : الله يجعل ما بيننا عامراً دوماً..

للمبغضين : لا بأس ، لا شيء شخصي …والشعور غير متبادل !

 


Categories: حوارات

اكتب تعليقاً

اترك رد